الفنان في منظومة العمل

مركز خليل السكاكيني الثقافي قيمة المعرض نور عبد 4/ حزيران/ 2020
كان من المفترض أن يتم افتتاح معرض "الفنان في منظومة العمل" في المساحات الفيزيائية لمركز خليل السكاكيني الثقافي في أوائل شهر آيار في رام الله. ولكن منذ أن فقدنا قدرتنا على الوصول لمساحات المركز كفريق عمل وجمهور، تم توجيه أفكارنا نحو الوسائل المتاحة لاستئناف العمل على المعرض. فعندما بدأ الحجْر الكامل في فلسطين في منتصف آذار، كان الفنانون الذين تم اختيارهم للمشاركة في المعرض في مرحلة إنتاج أعمالهم. وفي حين كان من الصعب استيعاب كل ما كان يحدث، إلا أننا حاولنا معاً استقصاء الأولويات والإمكانيات. وكان قرار تحويل المعرض لمعرض شاشة من خلال الشبكة الرقمية مستمدا من ضرورة استكمال ما تم البدء فيه مع الفنانين والباحثين والمجموعات، والمتابعة في التساؤل حول المواضيع التي تطرحها ثيمة المعرض عن هياكل العمل والنماذج الاقتصادية في سياق الإنتاج الفني والثقافي - خاصة في فلسطين والعالم العربي. حيث أنّ في ظل الأحداث الأخيرة التي يشهدها العالم، تم الكشف عن التصدعات والهشاشة المتجذرة في النماذج الاقتصادية الحالية، وبالتالي، أصبح العمل على المعرض في ظل هذه الظروف أكثر أهمية.

ويمكن اعتبار سوق الفن في فلسطين سوقاً قائماً على مشاريع قصيرة الأمد، فهو نتاج التغيرات السياسية والاقتصادية المستمرة، ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الدولية. ويثير مثل هذا النموذج الاقتصادي القائم على المساعدات أسئلة متعلقة بالاستدامة والبيروقراطية والقلقلة - لكل من المؤسسات والأفراد، إلا أنّ السؤال المُلح هنا هو كيفية إجراء تغييرات في البنية التحتية في نموذج اقتصادي كهذا، إن وجدت. فكيف يمكن للممارسين الفنيين التدخل وخلق البدائل للهياكل الاقتصادية التي تساهم في آليات بقائهم؟ وكيف يربط الفنانون والممارسون الثقافيون عملهم الإبداعي بمنظومة الاقتصاد والأجور؟ وكيف يُشجع النقص في الأمان الوظيفي ديناميكيات الاستغلال الذاتي وما يُسمى "عمل الأمل"1؟

ومن منظور "الفنان/ الموظف"، يدعو المعرض إلى التفكير في آليات التحول الهيكلي في المجال الفني والثقافي. كما ينظر المعرض في النماذج الاقتصادية التي تدعم حياة الفنانين اليومية، ويستكشف الخط الفاصل بين الوظائف المزدوجة للفنانين؛ الوظيفة اليومية إلى جانب مهنتهم الفنية للحصول على لقمة العيش. سواء كانت الوظيفة اليومية العمل في مؤسسة ثقافية أو قطاع خاص أو مؤسسة مستقلة أو عمل حر أو أي شئ آخر. فإنّ العديد من الفنانين يعملون بشكل صريح بمهن أخرى من أجل المال (العيش اليومي)، وإن كانوا محظوظين، ينفقون ما تبقى لتمويل إنتاجهم الفني. وبالتالي، فإنّ المعرض يبحث في المخاوف المتعلقة بظروف الإنتاج من خلال الدور الإيديولوجي للإبداع في ظل تغيرات الاقتصاد الثقافي. كما وأنّه يتساءل عن دور الأنشطة الفنية والفكرية واحتمالية مساهمتها في تكوين/ أو إعادة تكوين علاقات الإنتاج في الوقت الذي تعاصره.

يقدم معرض "الفنان في منظومة العمل" أعمال جديدة لعشرة ممارسين ومجموعات فنية تم اختيارهم من قبل لجنة تحكيم بعد الإعلان عن دعوة مفتوحة لتقديم الطلبات. كانت الدعوة مفتوحة للفنانين والممارسين الثقافيين العرب، والأجانب المقيمين في دولة عربية. ولقد رحبنا بالمقترحات التي تناولت، بشكل مباشر أو غير مباشر، الموضوعات والأسئلة التي طرحها المعرض، والتي خاطبت مفاهيم العمل وأماكن العمل والشفافية والقلقلة والاغتراب في وقتنا المعاصر.

كما تم العمل على برنامج عام موازي يتضمن ورش عمل ومحاضرات ونقاشات جماعية حول المواضيع المطروحة كممارسة تقودنا إلى افتتاح المعرض. وتم التفكير في البرنامج العام كعملية بحث مفتوحة تتم إلى جانب مرحلة إنتاج الأعمال؛ تساهم في توليد أفكار جديدة قادرة على التدخل في الأعمال الفنية  قيد الإنشاء، وليس فقط التأمل فيها. ولكن، مع تحول المعرض إلى معرض شاشة في الشبكة العنكبوتية، كان لا بد من مراجعة الهيكل العام للمعرض، لكل من أعمال المشاركين والبرنامج العام. فعمل بعض المشاركين على تعديل أعمالهم لتُعرض على الشاشة، بينما اضطر آخرون إلى إعادة صياغة مقترحاتهم وعلاقتها بالقيود المفروضة حاليا. وفي الوقت نفسه وضمن الوسائط المتوفرة، نُظّمت بعض فعاليات البرنامج العام عبر الشبكة العنكبوتية بواسطة برنامج زووم.

لقد كانت عملية نقل المعرض من مساحات المركز الفيزيائية إلى مساحات الشبكة العنكبوتية ليست سهلة. وعلى الرغم من أنّها ولّدت أفكاراً جديدة حول مفاهيم الاغتراب والعمالة الرقمية وسهولة الوصول إلى الأعمال الفنية؛ إلا أنّها بقيت ضمن حالة الطوارئ التي يمر بها العالم أجمع في الوقت الحاضر. ومن منظور شخصي، أثارت هذه العملية في نفسي، للأفضل أو للأسوأ، حالة من المصالحة مع اللحظة الحالية، والعمل بحالة عمياء لكنها حرة مع ما هو غير مؤكد، و/ أو ما أجهله أو لم أعد أعرفه.

آيار/ 2020

نور عبد [نبذة]


*المنح الإنتاجية والمعرض بدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان عبر الدورة الثانية لمنحة مشروع "الفنون البصرية: نماء واستدامة"  الممول من السويد.


1عمل الأمل هو العمل التطوعي أو العمل بأجور رخيصة على أمل الوصول إلى فرص عمل وأمان وظيفي في المستقبل.