نحو اقتصادات بديلة


تبدأ الخطوة الأولى في العمل لمحاربة فترات التدريب غير المستقرة بطلب أجر مناسب وظروف عمل جيدة. على الرغم من أهمية تحقيق إنجاز مماثل، فإنّه لا يزال تحت إطار العمل المأجور. فهيكلية العمل المأجور تمنح الأولوية لمصالح الجهة التي تقدم الأجر، كالربح، وتهمش مصالح العامل، كرفاهيته وسبل عيشه وإحساسه بالهدف. ولكون العامل يعتمد على العمل لكسب العيش أو الشعور بنجاح مهني، فإنّه لا يثبت هويته خلال العمل، فيشعر بالانفصال عما يقضي غالبية وقته فيه، ويشعر بانفصال متزايد عن طبيعته، مما يؤدي إلى الانعزال عن الآخرين والبيئة المحيطة به. فالعمل المأجور هو عمل يعزز التباعد، ويجب أن يكمن الهدف بابتكار بيئة يمكن للعمل الهادف أن يكون قابلاً للبقاء والنمو فيها.

للعمل الهادف قيمة جوهرية لدى الشخص الذي يقوم به.


فالعمل مجز والعامل يشعر بالاستيفاء ويمارس إبداعه وكامل مهاراته ويرغب القيام بالعمل للعمل في حد ذاته.

تستحضر رؤى مستقبل العمل عوالم يقل فيها الوقت المكرس للعمل المأجور لبضع ساعات في اليوم أو يُلغى فيها تماماً، مما يزيد من الوقت ليستطيع الناس اكتشاف رغباتهم الجوهرية.

ويوضّح مصمم المنسوجات الذي عاش في القرن التاسع عشر، ويليام موريس، الفرق ما بين "العمل المفيد" و"الجهد عديم الفائدة". فالعمل بحد ذاته ليس جيداً كوسيلة مقدسة لكسب العيش. وعند القيام بعمل جدير، نجد المتعة في مهارة إبداعية ومبتكرة، ونأمل الاستفادة من نتاج عملنا، ونتطلع للاستمتاع بالوقت عندما لا نكون في العمل. إذ يجب الذهاب إلى العمل طوعاً وبسرور، مع الأمل بالاستفادة منه أو إفادة مجتمعنا. فالعمل في هذه الحالة سيكون متنوعاً، ويمكننا ممارسة العديد من الحرف فتكون أيام العمل قصيرة، وأي عمل آخر لا قيمة له. ويجب على الأشخاص إنتاج ما يستهلكون وفقاً لقدراتهم، وعلى المجتمع ضمان رزقهم، ولتحقيق ذلك، يجب التخلص من التسلسل الهرمي الذي يدفع الناس نحو العمل المأجور.

تذكّرنا الأكاديمية المعاصرة كاثي ويكس، في كتابها المعنون "The Problem with Work" أنّ كوننا مجبرين على العمل لكسب العيش ليس سوى عرف اجتماعي لا يمس بصلة للقانون الطبيعي.

ما يجبرنا على العمل هو نظام اجتماعي يضمن أنّ العمل هو الطريقة الوحيدة لتأمين الاحتياجات الأساسية، كالطعام واللباس والمأوى والرعاية الصحية.


ويرتبط العمل المأجور بقوة بالحالة الاجتماعية والإنجازات الشخصية والشعور بالمساهمة في المجتمع، إلا أنّه يجعل الأشخاص يشعرون بالإرهاق وبعدم الاستقرار. فمن جهة، العمل هو ممارسة ينتج عنها تسلسلات، ومن الجهة الأخرى، هو عبارة عن ميدان حيث يمكننا إنتاج نماذج بديلة للتنظيم والسياسة ترتكز على الحرية. ويمكّن ضمان الحصول على دخل أساسي شامل؛ العامل من المفاوضة بشكل أفضل لتحديد ظروف العمل وترك العمل المأجور دون تقويض رزقه. فالعمل بدوام كامل من ٣٠ ساعة أسبوعياً قد يساعد على موازنة الفجوة بين البطالة والإفراط في العمل. والأهم من ذلك، قد يساعد الدخل الأساسي الشامل الناس في تحدي نظام الأجر وتصوّر حياتهم بالاستقلال عنه.

يمكننا ملاحظة خطوات اتخذها العمّال تجاه هذه الرؤى في أشكال التنظيم الموجودة حالياً لتحدي انعدام الاستقرار من خلال أدوات مختلفة انطلاقاً من الإدارة الذاتية الأفقية وصولاً إلى العمل السياسي المباشر وزراعة المحاصيل الغذائية. القاسم المشترك بين هذه الأشكال المختلفة هو أنّها تنمّي الأمان في العلاقات المبنية على الدعم المتبادل. هذه الحالات، التي تعتبر صغيرة أمام الاقتصاد السائد، قد تبدأ بالتكاثر وتكوين شبكات يمكنها أن تكسب شهرة بالتدريج.




تصوير ”Leeds Creative Timebank“

بنك الوقت

”Leeds Creative Timebank“ هو عبارة عن منصة لتبادل المهارات والمعرفة، تربط بين فنانين من مختلف الخلفيات يعملون في مدينة ليدز في إنجلترا. بدلاً من النقود، تعتمد المنصة على الرصيد الزمني كعملة لتبادل الخدمات بين الأعضاء. تشمل هذه الخدمات التوجيه في مجالات مثل تقييم المعارض، ومهارات مهنية مثل الطباعة، ومهارات عامة مثل خدمات تقديم الطعام. ويمكن للعضو أن يطلب مهارة بالاعتماد على قاعدة بيانات متوفرة على الإنترنت وبالمرور من خلال "سمسار وقت" يصله بعضو آخر يمكنه تقديم المهارة المطلوبة. ويحصل العضو الذي يقدم المهارة على رصيد وفقاً للوقت الذي يقضيه في العمل، أما العضو الذي طلب الخدمة، فيخصم منه الرصيد وعليه توفير المواد اللازمة للقيام بالمهمة. قيمة ساعات العمل هي ذاتها لكل الأعضاء، سواء كانوا حديثي التخرج أو ذوي خبرة. ويعيّن الأعضاء الجدد عن طريق طلبات مفتوحة وتتم دعوتهم لورشات عمل للاطلاع على قيم المنظمة والانضمام إليها. وتشرف مجموعة إدارية على سياسة المنظمة وطريقة عملها ويمكن لأي عضو الانضمام إليها.

تم إنشاء بنك الوقت عام ٢٠١٠ بفضل منحة صغيرة كرد فعل عملي على الأزمة الاقتصادية عام ٢٠٠٨ وتناقص التمويل العام المتوفر للفنانين. فيتيح هذا المفهوم للفنانين دعم بعضهم البعض خارج إطار المعاملات النقدية، وبالتالي تعزيز إنتاج مجتمع الفنانين المحلي. على الرغم من أن بنك الوقت لا يعفي أعضاءه من جميع التكاليف المالية، فهو يساعدهم على إنجاز المشاريع والحصول على تدريب وإنشاء علاقات والتعاون مع الآخرين. وهذه جميعها مزايا قد لا تكون أتيحت لهم من قبل.




تصوير مجلة ”Routines“

تعاونيات العمال

تعاونية ”Cooperativa de Diseño“ هي استوديو تصميم متعدد التخصصات، أنشئ في زاوية في معمل أعيد استخدامه في الأرجنتين عام ٢٠١١. تقدم التعاونية خدمات في العديد من المجالات تشمل التصميم وتطوير المنتج والإنتاج السمعي والبصري. وقامت بمشاريع مع مجموعة من تعاونيات عمال من معامل أخرى أعيد استخدامها ومجتمعات حرفية ومجموعات نشطاء. يعمل الاستوديو كتعاونية بالاعتماد على نظام الإدارة الذاتية الأفقية، ويُقدّم دخلاً أساسياً يُخصم من دخل التعاونية حسب الاحتياجات المالية لكل عضو، كعدد المعالين وتكاليف السكن. بالإضافة إلى الراتب الأساسي، يمكن للأعضاء كسب دخل ثانٍ يُقسم بالتساوي بينهم ويستخدم لتغطية تكاليف الحياة اليومية كالطعام. ويتم أيضاً تقسيم ساعات العمل اللازمة بالتساوي بين الأعضاء بغض النظر عما إذا كانت ساعاتهم مدرة للدخل أم لا. وبهذه الطريقة، يعتمد الأعضاء المتعاونون على قيمهم السياسية ليس فقط في محتوى المشاريع التي يعملون عليها، ولكن أيضًا من خلال طرق العمل الخاصة بهم، ويوائمون بالتالي ممارساتهم مع وجهة نظرهم السياسية. فهم يقدمون مشاريع تهدف إلى إحداث تأثير اجتماعي، ولكنها أيضاً وسيلة بديلة في تنظيم الأداء الإبداعي.



مظاهرة ”Fund our Future“، لندن، 10 تشرين الثاني، 2010. تصوير ”Precarious Workers’ Brigade“

تعاونيات الفنانين

”Precarious Workers’ Brigade“ هي عبارة عن تعاونية يقع مقرها في الولايات المتحدة، تعتني بالعمال ذوي الأوضاع غير المستقرة في مجالي الثقافة والتعليم، والذين يطورون أبحاثاً وينخرطون في أنشطة تهدف إلى إجراء تغيير ملموس في مجال العمل غير المستقر. صممت التعاونية مجموعة من الأدوات التي تتناول ظروف العمل في المجالين الثقافي والتعليمي. وتشمل هذه الأدوات نموذجاً لرسالة مفتوحة موجهة نحو المؤسسات الفنية التي تعلن عن فترات تدريب غير مدفوعة الأجر، وكتيّب باسم ”Bust your Boss Card“ يحتوي على معلومات حول كيفية التفاوض بشأن المسائل المالية مع العملاء المحتملين وأصحاب العمل، ومنشورات مثل ”Training for Exploitation? Politicising Employability and Reclaiming Education“ التي تقدم أدواتاً لتحليل العلاقة بين التعليم والعمل والاقتصاد الثقافي. وتنظم المجموعة أيضاً ورشات عمل تجمع بين طلبة الفنون والتصميم وخريجين جدد، وتنظم أعمالاً احتجاجية مع مجموعات وحملات أخرى، بما فيها تلك التي تعالج مسائل ومجالات مهنية خارج مجال الثقافة.

توجه المجموعة عملها وتنظمه بناءً على مدونة أخلاقيات تحدد أهداف المجموعة وأساليبها التنظيمية وظروف العمل المفضلة. وينص قسم من سياستها على مشاركة المعلومات فيما يخص العمل والدفع أو عدمه في مجال عملها من خلال نشر إطار معلومات في نهاية منشوراتها أو قراءة إطار المعلومات في بداية أي حدث. ويشمل إطار المعلومات تفاصيل مختلفة كمدة العمل وعدد العاملين أو المتدربين، وأجرة العاملين. وتهدف هذه المعلومات إلى الاعتراض على ثقافة الصمت فيما يخص ظروف العمل في مجال الفن، وهو أحد العوامل التي تسمح باستمرار استغلال العاملين. وتؤكد المجموعة على أنّ وضع حد للعمل من دون أجر أمامه مسار طويل، إلا أنّ الشفافية هي خطوة مباشرة يمكن اتخاذها لتحقيق هذا الهدف.



الصورة من غرفة الطباعة الحريرية في "مَنشِن". تصوير ثريا غزلباش


المساحات التي يديرها الفنانون (السياق الحضري)

"مَنشِن" عبارة عن حيز عام للإنتاج الثقافي يقع في بيروت في فيلا من القرن العشرين هُجرت في الثمانينيات. ابتداءً من عام ٢٠١٢، بادر سكان جدد، من ضمنهم فنانين ومصممين ونشطاء، بتحويلها إلى مساحة مشتركة توفر مكان عمل مجاني وهادئ، بالإضافة إلى حديقة ومطبخ ومكتبة. ويوفّر "مَنشِن" أيضاً استوديو للتسجيل الصوتي وطاولات عمل ومكاتب مقابل مساهمة مالية معقولة تساعد في تغطية نفقات تشغيل المكان وصيانته. ويُشجع مستخدمي الفيلا على العناية بالمكان من خلال إجراء تصليحات وتحسينات وتجديد لوازم المطبخ. وتمنح هذه الفكرة العاملين في المجال الفني والثقافي والجمعيات المساحة والمرافق التي تتيح لهم العمل مقابل تكلفة منخفضة للغاية مع المساهمة في الآن ذاته في إنشاء مكان مشترك يمنح المدينة والحي حيزاً عاماً ضروريا جداً. وتم تعديل غرض استخدام الفيلا باتفاق مع المالك، الذي يوفر المكان مجاناً ولكن لفترة مؤقتة.

تتناقض هذه التجربة التي تتمثل بإعادة الاستخدام المشترك بوضوح مع المصير الاعتيادي لمباني بيروت القديمة المتهالكة، التي تُهدم لإفساح المجال أمام مشاريع عقارية راقية، أو يعاد تصميمها في سياق مشاريع حصرية. وعلى مرور السنين، استضاف "مَنشِن" مجموعة من الأنشطة والمبادرات، انطلاقاً من المعارض وعروض الأداء، ومروراً بمحل لتصليح الدراجات الهوائية وملتقيات لحملات النشطاء.



مؤتمر ”Kultivating m<Other Tongues“. تصوير“Kultivator”

المساحات التي يديرها الفنانون (السياق الريفي)


”Kultivator“ هو عبارة عن مشروع يستكشف التداخل بين ممارسة الفنون البصرية والزراعة. ويقع المشروع في مرافق مزرعة كانت مهجورة في قرية ديستاد على الساحل الجنوبي الشرقي للسويد. ويشمل مساحات لإقامات الفنانين والمعارض والعروض بالإضافة إلى مزرعة عضوية تنتج المحاصيل والزيوت ومنتجات الألبان وتوفر الطعام للمقيمين. وفي المقابل، يقدم الفنانون المقيمون والزوار الآخرون بدورهم المساعدة في عمل المزرعة في منطقة كانت لتكون غير مأهولة بالسكان.

أُسس مشروع ”Kultivator“ عام ٢٠٠٥ ويديره حالياً الفنانان ماتيو فريجمان ومالين ليندمارك فريجمان ومدير المزرعة هينريك ستيجبورن. ويحافظ الفنانان على ممارسة فنهما من خلال مشاريعهما، واستضافة لقاءات في المزرعة، والتدريس في مدرسة الفنون المحلية. ويعملان بالإضافة إلى ذلك مع المجتمع الزراعي القريب للتعلم عن زراعة الغذاء والعناية بالحيوانات. فبالنسبة لهما، هناك أوجه تشابه بين العمل الفني والزراعة العضوية، وتشمل عدم إمكانية الوصول إلى الجمهور على نطاق واسع وانعدام الاستقرار الذي يرافق التوجه الثقافي والبيئي في العمل. وتشمل مشاريعهما الفنانين الدوليين والمجتمع الريفي المحلي، ويتولّيان القيام بالأبحاث الفنية وتلبية الاحتياجات العملية. وبالتعاون مع مزارعين صغار وآخرين، أنشئا منصة لتبادل العمل بين ما يقارب عشرة مشاركين يعيشون على الجزيرة التي يقع عليها مشروع Kultivator. ويقوم المشاركون بتجديد المباني المهجورة وصيانتها، ويتيح التبادل تنظيم مشاريع تشمل البناء أو الصيانة أو أحداثاً واسعة النطاق بأقل تكلفة. فبالاستجابة إلى دعوة مفتوحة، يحضر المشاركون ويقومون بما يستطيعون للمساعدة في إنهاء العمل، بينما يوفّر لهم المضيف الطعام والشراب والمسكن والبيئة الجيدة للعمل.




تصوير ”Brave New Alps“


إقامات الفنانين الجماعية


”My castle is your castle“ هي تجربة صغيرة في مشاركة الموارد، أطلقها المصممان بيانكا إلزنباومر وفابيو فرانز عام ٢٠١١. شارك الثنائي في إقامة للفنانين دامت لمدة ٥ أشهر في مركز قلعة أوجازدوسكي للفن المعاصر في مدينة وارسو، وكان الهدف منها القيام بأبحاث حول حالة عدم الاستقرار والتحقيق في كيف يمكن للممارسات الاجتماعية والسياسية أن تكون مجدية اقتصادياً. إذ شارك الثنائي الموارد التي كانت بحوزتهما أثناء الإقامة مع ستة أشخاص آخرين يعملون في تخصصات إبداعية مختلفة كانوا قد تواصلوا معهم من قبل من خلال دعوة مفتوحة. وكان الهدف من ذلك إنشاء ثقافة اقتصادية بديلة في ظل الظروف اليومية، ودعم أصحاب المهن الذين يعملون في نفس مجالات البحث.

وشاركا ميزانيتهم للسفر مع المقيمين الآخرين، وتم استخدام جزء من ميزانيتهم المخصصة للإنتاج لدعم الممارسين المنخرطين في النشاط الاجتماعي والسياسي في وارسو من خلال دفع رسوم لندوات عامة. بالإضافة إلى ذلك، قاما بتعديل الاستوديو الذي تم منحهم إياه، والذي بلغت مساحته ٢٥ متراً مربعاً، من خلال إضافة هيكل خشبي داخله يمكن السكن فيه بشكل مستقل. عاش المقيمون الآخرون معهم لفترات تتراوح بين أربعة أيام إلى ثلاثين يوماً وكانت لديهم إمكانية القيام بعملهم الخاص دون أن يُتوقع منهم إنتاج أي شيء، واكتشاف المدينة بحثاً عن الإلهام، والتواصل مع فنانين وقيّمين ومؤسسات أخرى. كانت فترة التجربة قصيرة ومحدودة الحجم ومعتمدة على الموارد المؤسسية. وبالرغم من عدم تحديها للظروف التي تؤدي لعدم الاستقرار في البداية، فهي مثال يوضح كيف يمكن للفنانين استخدام الموارد التي تُوفَّر لهم لدعم الآخرين الذين يعيشون مثلهم في ظروف صعبة.


عودة إلى الصفحة الرئيسية